Warning: A non-numeric value encountered in /homepages/14/d799225943/htdocs/clickandbuilds/HaithamHussein/wp-content/themes/yootheme/vendor/yootheme/theme-wordpress-widgets/src/WidgetsListener.php on line 74

كيف يضع الروائيون نهايات للحروب

هيثم حسين

كيف يساهم الروائيون بقسطهم في إدانة الحروب التي تأتي على الأخضر واليابس، وتتسبب في الويلات والكوارث للشعوب؟ إلى أي حد يمكنهم أن يكونوا مؤثّرين في واقع يتعالى فيه دوي المدافع وأزيز الرصاص؟ هل مَن يلتفت إلى ما ينسجه الروائيون في أزمنة الحروب؟ متى يتمّ الالتفات إلى الأعمال الروائية التي تفكك المآسي التي تنتجها الحروب في التاريخ؟ لماذا لا يكون هناك أيّ اعتبار من أخطاء الماضي، أو جرائم الآخرين السابقة؟ كيف يسعى الروائيون لوضع نهايات مفترضة من قبلهم للحروب التي تفتك بالبشر؟ هل يكون التأثير المحدود للكتابة في عالم الحرب محبطا للكتّاب والأدباء ويدفعهم إلى الاستنكاف عن لعن الحروب والمتحاربين، وعن إدانة جميع أنواع العنف، والقهر، والإجرام الذي يمارس بحقّ البشر، في أيّ مكان وزمان؟

أسئلة تدفع الروائيين إلى أن ينفضوا الغبار عن المصائب التاريخية التي تخلّفها الحروب، ويعملوا على نسج سرديات تستوحي وقائع منها، بحيث تكون منفّرة للأجيال الجديدة التي عساها تستلهم بعض العبر من دروس التاريخ الذي يبدو وكأنّه يعيد دوراته نفسها كلّ مرة، من دون أيّ تغيير أو اختلاف كبيرين.

الروائية الكندية مارغريت آتوود في روايتها “السفّاح الأعمى” تقرر على لسان راويتها وضع نهاية للحرب، تتمرد على المفهوم والواقع، تختار قلب صفحة الحرب من التاريخ، تقول إنها ستضع حدا للحرب، هي وحدها، بجرة قلمها الأسود، وأن كل ما عليها فعله هو كتابة أن الحرب انتهت، والبنادق صمتت، والرجال الذين ظلوا أحياء يرفعون رؤوسهم ناظرين نحو السماء، وجوههم مكسوة بالسخام، يتسلقون خارج جحور الثعالب والوجار القذرة، وكلا الطرفين يشعر بوطأة الخسارة الفادحة.

تمرد على المفهوم والواقع ووضع نهاية للحرب
تمرد على المفهوم والواقع ووضع نهاية للحرب

توغل آتوود في عوالم متخيلة غرائبية، تهندس مدنا وأماكن روائية خاصة، تسكن فيها أناسا يتسمون بالغرابة بدورهم، تتغلغل من خلالهم إلى مجاهل النفس البشرية، لتثير أسئلة وجودية، عن الحرب والحب والكره والملك والسيادة والخلود والقسوة والوحشية والحرب والسلام.. وغيرها من المسائل والقضايا المعقدة التي تفصل فيها، وتحاول تفكيك أسرارها بطريقتها الخاصة.

نهاية الحرب تكون منعطفا مفصليا لدى شخصيات آتوود في روايتها، فالراوية غريفين تستهلّ بحكاية تراجيدية، تعود إلى سنة 1945، تصور فيها مشهد موت لورا تشايس التي قادت سيارتها وهوت بها عن جسر كان قيد الترميم، عبرته مخترقة لافتة التحذير من الخطر. وكان ذلك بعد مضي عشرة أيام على نهاية الحرب.

تصف الراوية كيف أن مصنع الأزرار ظل لعقود طويلة مهجورا سائبا، ومأوى للفئران والسكيرين، ثم أنقذ على يد لجنة نشطة محلية من مواطني البلد، وتم تحويله إلى متاجر صغيرة، ورممت آثار التخريب على يد الزمن والنهب، لكن بقيت الأجنحة الظلماء للسخام حول النوافذ السفلية ظاهرة للعيان.

تحاول آتوود استخراج بعض “إيجابيات” الحروب، وذلك بنوع من التندّر على لسان بطلتها التي ترى أن الحرب نافعة في صناعة الأزرار، فأزرار كثيرة تفقد في الحرب، ولا بد لها أن تستبدل، ملء علب منها، ملء شاحنات منها في كل طلبية، فالأزرار تنفجر أشلاء، تغرق في الوحل، وتندلع فيها النيران، والوضع ذاته ينطبق على الثياب التحتية. ومن وجهة نظرها، كانت الحرب نارا عجائبية، يختلف النظر إليها من شخص إلى آخر.

والحرب تتبدى كقنبلة متفجرة في وجه التاريخ، يحاول الروائيون إعادة تجميع شظاياها عبر حكايات تساق ململمة في تفاصيل وسرديات مختلفة على ألسنة شخصيات تستعيدها، لاعنة تأثيراتها، ومستسلمة لها في الوقت نفسه، بعد أن تكون قد فعلت فعلها التخريبي في تحريف مسار الأحداث وصناعة تاريخ آخر، وبلورة تصوّر تراجيدي سوداوي للواقع والماضي، ومرعب للمستقبل الذي يُخشى أن يعيد تدوير وحشية الماضي انطلاقا من نداءات الثأر واتّكاء عليها.

على هذا المنوال، وبشيء من السخرية من وحشية الحروب، يتخيل الإسباني راي لوريغا في روايته “استسلام” مدينة تعيش مرارة الحرب، وتحاول الخروج من المحنة التي تحاصرها، من خلال سبل مبالغة في التفافها وتحايلها على الواقع، عبر بناء مدينة شفافة يتم جمع الناس فيها، بحيث يكون كل شيء زجاجيا، مكشوفا، ولا يمكن إخفاء أي شيء فيها، بحيث الانكشاف يكون السمة الرئيسة فيها.

يتخيل لوريغا في روايته عالما يحاكي مدينة أفلاطون الفاضلة، لكن بصيغة تمزج السخرية بالجدية التي تهزأ من الحرب والممارسات السلطوية القمعية التي ترافقها، ويمضي مقتربا من عالم جورج أورويل الكابوسي، حيث الأخ الأكبر يختار للشعب ما يناسبه وما لا يناسبه، ويحصي عليه أنفاسه، ويراقبه في كل حركاته وسكناته.

السخرية من وحشية الحروب
السخرية من وحشية الحروب

يستهل لوريغا عمله بالحديث على لسان بطله أنه لا مبرر لتفاؤلهم، فلا مؤشرات قد تشجّع على التفكير في أن شيئا قد يتحسن، لكن تفاؤلهم ينمو وحده، كالعشبة الخبيثة، بعد بعض التفاصيل الجميلة التي لم يعد لديهم أي شيء منها. ويؤكّد أن الاستسلام أمر مشابه. ويولد سمّ الهزيمة وينمو من رحم يوم سيء وبوضوحه، بدافع من أتفه الأشياء، تلك الأشياء التي في أحوال أفضل لم تكن لتلحق بهم أذى، إلا أنها تنجح بغتة في تصفيتهم إن تزامنت ضربتها الأخيرة مع آخر حدود قواهم.

بين اليقظة والحلم يبوح الراوي بما يعترك في داخله من تناقضات، يقول إنه كان يحاول طمأنة زوجته حين تخلد إلى النوم، إلا أن معرفته بأن شيئا ما يتداعى، وبأنهم يعجزون عن تشييد شيء جديد في ذاك المكان مؤكدة، وأن كل قنبلة في تلك الحرب تفتح ثغرة يعجزون عن سدها، يقول إنه كان يعرف ذلك، وإنها أيضا كانت تعرفه، مهما حاولا التحمل في ساعة النوم، بحثا عن هدوء لم يجدا إليه سبيلا، عن زمن برائحة الماضي، إلى درجة أنهما في بعض الليالي يتذكران أنهما كانت لديها أحلام أفضل.

يقول إنه وزوجته كانا مجبرين على أن يحلما في صمت بأن ولديهما على قيد الحياة، فالحرب عند الآباء ليست هي الحرب التي يتعارك فيها الرجال، بل حرب مختلفة. ويلفت إلى أن الحرب لا تغير شيئا بذاتها، بل إنها فقط تذكّر، عبر جلبتها، بأن كل شيء زائل. ويذكر كيف قطعوا عنهم المياه في بداية الحرب، أو ربما قبلها، حينما كانت الحرب مجرد كلمة تقال وتكرر كأنما لا يوجد شيء دونها.

يعترف بطل لوريغا بأنه أن يكون لرجل لم يخض حربا في حياته جنود يبدو غريبا، لأنه يشعر بأنه المسؤول عن حمايتهم بسلاحه وليس العكس، وهكذا يشعر بأنه بلا جدوى من وجوده، يعينه الصغير الذي تبناه، على نسيان المسألة، بل وعلى أي شيء تقريبا، حينما يبتسم يتذكر الزمن الذي اعتنى فيه بابنيه أوغوستو وبابلو.

ولعل الشعور بواجب تعرية الوحشية يظل دافعا رئيسا للروائيين كي يواصلوا الإدلاء بدلوهم في فضح الحروب وأمرائها، حتى وإن لم يستمع أحد من الأطراف المتناحرة لأصواتهم التي قد تثير لدى بعضهم السخرية، ذلك أنّ الكلمة المتعقلة تكون في طليعة الضحايا في مستنقع الحرب والعنف، وعلى الرغم من ذلك، يتشبث الروائيون بالأمل في أن تحظى الكلمة ذات هدنة بالتقدير المأمول، وتبعث على التنفير من الوحشية التي تعمّمها الحروب.

عن صحيفة العرب اللندنية

© Copyright 2020. All Rights Reserved