Warning: A non-numeric value encountered in /homepages/14/d799225943/htdocs/clickandbuilds/HaithamHussein/wp-content/themes/yootheme/vendor/yootheme/theme-wordpress-widgets/src/WidgetsListener.php on line 74

قد لا يبقى أحد لهيثم حسين.. ارتحال.. ومحاولة لاستعادة التّوازن

د. سمية عزّام

ليس بالهيّن أن يقرأ الناقد بموضوعيّة محكيّات، أو يوميّات تحفر في ذاكرة من بثّها في نصّ سرديّ. نصّ يُكتب على بقايا الذات المنهكة، هاربًا من ذاته ليتعالى باحثًا عن شيء آخر خارجها، في بحثه المستديم عنها. يبحث عن معماريّة وحواريّة تتقاطع فيها الخطابات، وتتجاوب الأصوات، وتتداخل الأزمنة المتقاطعة مع الجغرافية.

لعلّ السؤال الأبرز من ضمن الأسئلة المطروحة في هذه السّيرة الرّوائيّة، هو سؤال السعادة بوصفها الغاية الإنسانيّة المنشودة. يجيب به الكاتب، عبر دوّامة أسئلة، عن سؤال طرحته أغاثا كريستي في كتابها “تعالَ؛ قل لي كيف تعيش؟” يدقّ باب الذّاكرة ليستحضر روح الماضي، ويستدعي مآزق الحاضر في رهانه على المستقبل المحدوس، في وصف مشاعره من غير تحليل الأسباب والعلل. كيف يعيش؟ أهانئًا وسعيدًا؟ يجيب بأنّ السّعادة نسبيّة، تتمثّل في لحظات ومواقف نتيجة أخبار سعيدة ،لا ترسم خطًّا تصاعديّا أو شكلًا كاملًا لصورة السّعادة المتخيّلة في الأذهان؛ فلحظات السّعادة هي فواصل الحياة الّلغويّة، يشبّهها بعلامات الترقيم التي تهندس سيل الكلمات وفوضاها المتناسلة. تلك الصّورة الرومنسيّة للسّعادة موؤودة بسلسلة الانتظارات والخيبات “لنازح القرن الجديد”.

عبر ثلاثين عنوانًا جزئيًّا ليوميّاته وتجاربه في مدن شتّى، يجول الكاتب بين الذكريات بذاكرة مفتوحة على أفق المستقبل، في مسار ارتحاله في المكان وعن المكان؛ لا يجد ما يؤنسه في اغترابه وغربته سوى كتب صادق أصحابها وتعزّى ببعض مقولاتها. فلم يستطع التخلّي عمّا يتّصف به من حسّ نقديّ؛ فبرز في مسروده ناقدًا، حفلت أوراقه بأسماء كتّاب يتقاطع مع رؤاهم، واكتظّت باقتباسات من أعمالهم في محاولته أن يتصالح مع نفسه والأمكنة. ما يدعونا إلى التساؤل عن تداخل الأجناس الأدبيّة، في زمن يحفل كلّ يوم بتجارب جديدة تقضي برصدها بعيدًا من قواعد قبليّة، بل إنّها تخلق قواعدها بنفسها.

تتوالى الأسئلة في دوّامة كالأيّام المكرورة التي تبين في السّرد. فالتكرار وليد الدّفق الذاتي، والتشظّي بين الأمكنة وفيها؛ حيث تتخلّق صور الوطن المشتهى، والهويّة، وعلاقة الأنا بالآخر ضمنًا. وتُستدعى معاني الثّورة والحرّية، في وصفه لمسلسل اللجوء، وحالة أسره لانتظارات لا تنتهي. التكرار في سرد التجارب استدعى كتابة تشريحيّة وقلمًا كالمشرط لا ينمّق؛ فلا تزويق في الكلام ولا تزييف للحقائق، وصاحب التجربة هارب من الممالأة والنفاق، كما يعلن. يبتغي ذرّ الملح على الجرح كي يمعن في انتفاضته. في هذه المقام، أقتبس من كتاب “معذّبو الأرض” لفرانز فانون قوله: “عندما يجد المثقّف نفسه عاجزًا عن إقامة أي علاقة حقيقيّة بالمكان، أو عاجزًا عن تحقيق التّوازن النفسي المطلوب مع ما حوله، يضطر إلى العودة للحلم، وللذكريات، ولأيّ ماضٍ يعيد إليه بعض التّوازن”.

تتبدّى الكتابة هنا، ثورة على الدّاخل بموازاة الثورة في الخارج. كان الوطن، كما يعبّر، سوق نخاسة معاصرًا، فصارت الثورة سوقًا سوداء على الضفّة الأخرى. وعن تجربة الحرب واللجوء يقول الكاتب متهكّمًا وبشيء من الحرقة، بأنّ الحرب كانت نعمة للبعض؛ فقد حرّرتهم من الفقر والحرب والجهل معًا في عبورهم إلى ضفّة الأمان، إلى القارّة الأوروبيّة بخاصّة. غير أنّه يطرح السؤال حول واقعيّة اندماج الّلاجئ في مكانه المستجدّ، باتّسام الهويّة قيدًا وإن هاجرت مع الراحلين، وباتّصاف طالب اللجوء منقسمًا على ذاته بين أن يرى الهويّة وهمًا يعظّمه، أو يشعر أنّه من دون هويّة تميّزه ظلًا ليس إلّا.

“أنا السّوري، مادة للإعلان والإعلام والتّسوّل والشّفقة” جملة ترسم خلفيّة ما بان في واجهة ما كتب. لكنّه يستدرك ليعلن تحرّره، في لجوئه إلى بريطانيا، من كثير من الأوهام التي كانت تستوطن تفكيره ممّا يدور عن عالمه في الشّرق وعن العالم الذي وصل إليه في الغرب. ويدعو السّوري للعودة إلى الأدبيّات الفلسطينيّة. وماذا عن العربي بعامة؟! نسأل، في عودتنا إلى اقتباس من الزعيم الهندي “سياتل” ضمّنه محمود درويش في قصيدته “خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة”، وفي تطريس على قوله “لا موتى هناك.. هناك فقط تبديل عوالم”؛ فلا منفى هناك.. هناك فقط تبديل أمكنة.

هل هي محاولة عبور إلى ذاكرة عادلة وسعيدة من خلال كتابة المعاناة، بما هي ذاتيّة وجماعيّة، وبما هي محمّلة بعبء تاريخي للأكراد، ونزف راهن للشعب السّوري؟! وهل هي مواءمة مع عبارة محمود درويش في قصيدته “طباق”: “أدافع عن حاجة الشعراء إلى الغد والذكريات معًا”؟

هذا الكتاب ليس أدب رحلة، أو يوميّات في المدن والمنافي، وليس أدب محكيّات، أو رواية ذاتيّة وحسب، بل هو كلّ ذلك مجتمعًا. وإذا جاز لنا تسمية هذه الظّاهرة الأدبيّة التي أفرزتها الظروف السياسيّة والاجتماعيّة الرّاهنة، بما يغشاها من تهميش ونفي واقتلاع وتهجير ولجوء، وما يجلّلها من أسئلة مقلقة تطال الوطن والهويّة والذات والسّعادة، فسنطلق عليه “أدب التّرحال والارتحال”.

عن أخبار الأدب

© Copyright 2020. All Rights Reserved