Warning: A non-numeric value encountered in /homepages/14/d799225943/htdocs/clickandbuilds/HaithamHussein/wp-content/themes/yootheme/vendor/yootheme/theme-wordpress-widgets/src/WidgetsListener.php on line 74

الرواية بين التلغيم والتلغيز لهيثم حسين التساؤل مفتاح لغربلة الكينونة الروائية

جينا سلطان

يقترب الكاتب السوري هيثم حسين في نصوصه المجموعة تحت اسم الرواية بين التلغيم والتلغيز (دار نون 4)، من الواقع الروائي ضمن صيغة الأسئلة والأجوبة، مراوحًا بين شرعة الاجتهاد وكمون الانتظار. بعض هذه النصوص قوي ينفذ إلى المعنى من دون مواربة، والبعض الآخر مكمل لصيرورة التقصي عن ماهية الرواية وأبعادها، ومرمم لطقسية المزاوجة بين مهادنة النقل وخطورة الكشف.

لا بد من التلغيم والتلغيز، كي تتحقق يقظة القراءة وينبسط أفق التغيير والانفتاح على ثقافة الآخر وشرطه الإنساني المختلف، لأن الرواية ليست سفرًا مأمولاً في رحاب الواقع ومحدوديته المادية. لذا هل يمكن القول: أنا أروي، إذا أنا أواري، إذا أنا أُلغِّز؟ ذلك سؤال الكاتب الذي يطرحه في محاولة لتلمس الجواب.

يقسم الكتاب قسمين، الأول يتقصى المعادل اللغوي المحقق لكينونة الرواية وعلاقته الضمنية باللغم واللغز، والثاني تطبيق عملي للأول يشتمل على قراءات لنصوص عالمية، تستبطن اللغم وتناشد الإلغاز من دون أن تبلغه.

يبدأ القسم الأول بعنوان حقيقي: ماذا يعني أن تكون روائيًا؟ نفهم من طريقة توجيه السؤال أن بداية البداية تعني للكاتب الانصياع لوسوسة الكتابة، والتعبير عن الواقع من وجهة نظره بعيدًا من الجانب التسجيلي الجامد، وفي الدرجة الأهم: مواجهة المخاوف من خلال الحديث عنها وإدراجها ضمن خانة المباح.

عن سؤال هل حقًا ماتت الرواية؟، يوحي الكاتب أن الرواية المكرسة فقدت موقعها لصالح رواية ذات ملامح انفجارية، رواية لغمية لغزية، رواية قريبة من الحياة حد الالتصاق، وتشكل امتدادًا واعيًا للرواية القديمة. فالرواية التي لا تلغِّم، ولا تنفتح على المشاعر المستجلاة والوجوه المتصفحة، ماتت. الرواية التي لا تبدد الوجوم السائد، ماتت.

تتخذ أسئلة هيثم حسين أوجه الدفاع غير المباشر عن آرائه الشخصية، مما يبقيه بعيدًا عن دور الملقِّن والموجِّه. فهو يوحي بالأجوبة على شكل استنتاج يعفيه من التعبير والتبرير والتنظير: فالإيغال في رصد التفاصيل يعتبره المحك، أما الحوار فيجد فيه امتحان الكاتب ومدى تمكنه من لغته، وفي الحبكة يؤطر الصراع والمحرك، بينما في تداخل بدايات الزمن الروائي ونهاياته، يكتشف فسحة رحبة تعيد إلى الزمن شرطه المنقذ والمحلق.

ضمن مجال سؤاله المتقصي عن نزاهة الروائي ومدح اللؤم الروائي، يدعو حسين إلى المبادرة لاختطاط الطريق المجهول وشقه، كي يترك الأديب أثره النافذ على شكل زيارة جريئة أو اقتحام بطولي. فالتزام النزاهة يتكئ على امتياز التجدد الدائم، الذي يكشف في الوقت نفسه تمكن الروائي من أدواته وخطوط روايته. في المقابل يعكس التلفيق الروائي خواء الكاتب وإفلاسه، ورغبة انتصارية عاجلة توقع تأثير المخدر. من هنا يقرر الكاتب أن اللؤم الروائي قد ينتج رواية مميزة! سؤال الحلم لا بد أن يحمل تنويعات عديدة على بنية الرواية، فهو معجزة النص الجمالية كما دشَّن مجالها كافكا، وزاد عليها كونديرا الرغبة بإدخال خيال الأحلام إلى الرواية، أما فارغاس يوسا فقد جعل الحلم من الأولويات التي تحسم بين الجوهري والعابر، فغدت الأحلام ركنًا أساسيًا يصعب الاستغناء عنه، ربما يفوق في قيمته الزمان أو المكان أو الحبكة أو أحد العناصر الرئيسية الأخرى.

يعبر سؤال سيرة الرواية الامتدادية عن هاجس الخلود الخفي، أما علاقة الروائي بالناقد، فتتنصل من موضوع قتل الأب ومؤاخاته أدبيًا، باعتبار أن الرواية هي الاكتشاف الدائم، الاختلاف الدائم، فهي تعيد ترتيب بعض مجريات الحياة وصياغتها بحسب رؤى الروائي. فالأجدى برأي الكاتب توجيه البحث وتنشيطه بعيدًا من التنويه والتيه، فليس من السهولة أن يتنصب أحدهم أبًا، وخصوصًا أن الابن لا يولد أبًا عند العرب كما أكد أدونيس.

ثمة تساؤل عن موقع الرواية من عصر الدراما، ينتهي بالوقوف مليًا عند ظاهرة التترك الذي يصبح طوعًا جلباب التنور والخلق. فعصر الدراما التركية عربيًا، يؤكد تطورنا بالبطيء المعاكس لتأثرنا السريع المريع، كوننا “نبدع” في التلقُّف والتبعية والتقليد، ونسهو عن الخلق ونتجاهل خلاَّقينا ونهمِّش التجديد والمجددين لأنهم قد يشكلون خطرًا ينبغي الاحتراس منه.

يبدأ القسم الثاني، الذي يدعوه الكاتب روايات ملغمة ملغزة، برواية غضب لسلمان رشدي التي تحتمل الكثير من التلغيم وخصوصًا في موضوع الأمركة، ودمى الملوك القياصرة. بينما تحمل رواية بنات إيران لناهيد رشلان رغبة الكاتبة في الاقتصاص لبنات جيلها المهمشات، أمثال البطلة باري، التي تجسد المرأة الإيرانية الحالمة التي تقتلها أحلامها البسيطة.

تعرض رواية فارغاس يوسا ليتوما في جبال الأنديز لتاريخ المهمشين المعاصرين في جبال الأنديز، وتاريخ الشعوب المندثرة التي هُمِّشت وذُوِّبت في بوتقة المنتصر، ونوعية العنف والتطرف الذي يطوق التاريخين معًا.

تفسح رواية بريدا لكويلو تلغيمًا جنسيًا مناسبًا لإيقاع الحياة المعاصرة بصخبها وجنونها. فكويلو يضمن لقرائه أن الجنس بوابة الدخول إلى عالم السرِّ، وأن النشوة الجنسية المتولدة عن الاتصال بين جسدين هي ذاتها التي يصل إليها الصوفيون بعد سنوات من النكران الزهدي للذات والتهذيب! ولعل الإلغاز هنا يتضمن مؤشرًا خفيًا إلى الترهل العقلي الذي بدأ يصيب كويلو، الكاهن الباخوسي الشهير!

أما رواية سبوتنيك الحبيبة لهاروكي موراكامي، فتلغم عالم التيه الياباني المعاصر وتغرقه في الرموز والدلالات ضمن تشظٍ مكاني، يعلن هشاشة العاطفة الإنسانية التي تفسر قصص حب غريبة، مثلية، مازوشية، فيتيشية.

يقدم الكاتب توضيحات وتسميات تعنون مشروع الدخول إلى عالم الرواية، وافتراش سمائها الفسيحة، وتطابق أمثلته المستندة إلى التجارب العالمية مفهوم التلغيم وليس التلغيز. فالإلغاز قد يفسح المجال أمام اختراق الحجب وتحقيق التواصل التكافئي، كما فعل الروائي المصري يوسف زيدان حين موَّه إلغازًا حضاريًا مقيدًا بدائرية الفعل ورد الفعل، وأثثه دراميًا موجهًا أسئلة محرجة تتحدى التابوهات المحرمة، وتمس جمودية النقل. ربما يتأتى الإلغاز مصادفة، كحجر يلقى في بحيرة راكدة. لكنه يمس المخفي كما ذهب كورتاثار حين افترض أن موازاة الخلاَّق نقديًا تعني تحميل الباطن، وتشكيل أنساق القراءة كدعوة جريئة لإعادة التفكير.

يستخدم الكاتب مفردات مألوفة مرتبة وفق ذهنية مختلفة، تضمر الانفتاح، وتتوخى التواصل عبر توسيع دائرة الحوار الثقافي، بعيدًا من ثرثرات المقاهي واغتيابات المتثاقفين.

© Copyright 2020. All Rights Reserved